كيف يتلاءم العذاب الأبدي لذنوب محدودة والمؤقتة التي يرتكبها المذنبون في هذا العالم مع العدل الإلهي؟
كيف يتلاءم العذاب الأبدي لذنوب محدودة والمؤقتة التي يرتكبها المذنبون في هذا العالم مع العدل الإلهي؟
للوصول إلى جوابٍ شافٍ ونهائي لهذا السؤال ينبغي أن نلاحظ الأمور التالية:
1. إنَّ العقوبات يوم القيامة لا تشبه كثيراً العقوبات في هذه الدنيا، كأن يرتكب أحدهم في هذه الدنيا جريمة السرقة مثلاً فيعاقب بالسجن مدة معيَّنة،بل إنَّ عقوبات يوم القيامة أكثر ما تكون بهيئة آثار أعمال الإنسان وخصائصها.
وبعبارة أوضح،إنَّ العذاب الذي يعاني منه المذنبون في عالم الآخرة هو نتيجة لأعمالهم التي تصيبهم، يقول القرآن في تعبير صريح:{فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (يّـس:54). ولنضرب مثلاً يُجسِّد هذه الحقيقة: يندفع شخص ما في تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية، وكلّما نصحوه بترك هذه المواد السامة التي تضر بمعدته وتضعف قلبه وتحطم أعصابه، لم يجدوا عنده أذناً صاغية، بل يمضي بضعة أسابيع أو شهور في الإستماع الموهوم بهذه المواد القاتلة حتى تظهر عليه آثار قرحة المعدة وانهيار الأعصاب وأمراض القلب ، يئن منها ليله ونهاره. فهل يمكن أن نعترض هنا فنقول إنَّ هذا الشخص الذي لم يذنب سوى لبضعة أسابيع أو أشهر، كيف يظل يعاني بقية عمره ولسنوات عديدة تلك الآلام ويتحمَّل كلّ ذلك العذاب؟ لا شك إن الجواب سيكون فوراً: تلك هي نتائج أعماله! وحتى لو أعطى عمر نوح أو أكثر وعاش آلاف السنوات، فإنَّك كلَّما رأيته يتألّم من تلك الأمراض قلت: هذا العذاب هو الذي أنزله بنفسه بمحض إرادته وكامل وعيه. إذن {أكثر} عقوبات يوم القيامة من هذا القبيل، وعليه فلا يبقى أي مجال للإعتراض على عدالة الله.
2. من الخطأ أن يظن بعضهم أن مدة العقاب يجب أن تتناسب مع مدة الذنب، لأن العلاقة بين الذنب وعقابه ليست علاقة زمنية،بل تتعلَّق بكيفية الذنب ونتائجه. فقد يقتل شخص رجلاً بريئاً في لحظة واحدة، فيحكم عليه بالسجن المؤبّد حسب قوانين بعض البلدان. فهنا نلاحظ أن زمن الذنب لم يتجاوز بضع لحظات، بينما العقاب يمتد عشرات السنين، ومع ذلك لا يعترض أحد على ذلك بأنه ظلم وذلك لأن القضية هنا ليست قضية دقائق وساعات وأشهر وسنوات، بل هي قضية كيفية الجرم ونتائجه.
3. {الخلود} في النار والعقاب الأبدي إنَّما يحيق بالذين يغلقون أمام أنفسهم جميع منافذ النجاة، ويغرقون عن عمد ووعي في الفساد والكفر والنفاق بحيث إنَّ ظلام الإثم يغطي جميع أرجاء وجودهم حتى يصبحوا قطعة من الكفر والعصيان. وفي هذا يقول القرآن في تعبير رائع:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:82) .
وهؤلاء هم الذين قطعوا كل صلة لهم بالله ، وأغلقوا في وجوههم جميع نوافذ النجاة والسعادة. إنَّهم أشبه بالطائر الذي يقوم عمداً بكسر أجنحتها وإحراقها، فيمسي مجبراً على المكوث على الأرض دائماً، محروماً من التحليق في أجواء السماء العالية.
إذا أخذنا النقاط الثلاث المذكورة بنظر الإعتبار اتضح لنا أن قضية الخلود في العذاب الأبدي الذي يكون من نصيب بعض المنافقين والكفار لا تناقض مبدأ العدالة، لأنّ الخلود في العذاب جاء نتيجة لأعمالهم هم، على الرغم من أنَّ الأنبياء والرسل قد أبلغوهم أن لتلك الأعمال نتائج مرّة مشؤومة.