...

الاخباريين والأصوليين

المسألة:

هناك اختلاف بي الأصوليين والأخباريين فعلى علمي أنّ الأخباريين يجيزون تقليد الميت ابتداء والأصوليين لا يجوزون ذلك؟

 

1-لماذا  لا يجوز  تقليد الميت ابتداء  علماً بأنَّ أحكام الدين لا تتغير بتغير الزمن  ولو كل من مات، مات كتبه معاه لكان  كل عمله  لأصبحت  أعماله سدا،  وقد  مات الرسول(ص) وأهل بيته  ولقد وصى الرسول باتباعه وأهل بيته  وهم الآن تحت الثرى . إذا وجب علينا عدم اتباعهم وأخذ أحاديثهم  لأنهم ليسوا أحياء ولا يوجد من  الأصوليين  يعتمدون على العقل والاجماع  و الإخباريين لا يوافقون على هذا.

2.فهل  العقل وحدة له الأهلية في استخراج الأحكام  إذا لم يحصل على حكم من الكتاب والسنة؟

3.أم  يجب أن يسند له حديث والعقل هو يؤيده، لأن الأخباريين لا يستدلون على العقل في الأحكام ويستدلون لقول الرسول(ص) عليكم بكتاب الله وعترتي فقط لم يقل العقل ولا الإجماع بل حصرهما  بالكتاب و عترته.

4.والأصوليين  يقولون العقل له القابلية في معرفة الحسن والقبيح و الخير والشر هذا ليس فيه خلاف للان جاء به الشرع من القرآن  والسنة أكدت حسن  الشيء وقبحه وليس ما ادعوا على استقلالية العقل, والأصوليين يعطوني مثال وهو الظلم  أو الكذب يقولون العقل يستقبح ويستنكره ولكن الغريب  استدلالهم آنفا الذكر كله  من الكتاب والسنة !!!ا   أريد  من سماحتكم مثال يستقبحه العقل  لا يوجد .

ولقد سمعت من  علماء أصوليين عظام  ألفوا  كتباً كثيرة، ويقولون لم  نعتمد على العقل في أخذ الأحكام حتى الآن  وهذا يدل ضعف أدلة الأصوليين وعلى قوة الإخباريين وأنّهم على الحق وعلماً أنا من مقلدي أحد الأخباريين، وقالوا لي الأخباريين عدم تقليد الأصوليين لان حججهم ضعيفة.

الجواب:

مسألة تقليد الميت: فيها خلاف حتى بين الأصوليين،وليس الخلاف فقط بين الأصوليين والأخباريين، وإن كان الأخباريون  قاطبة  يجيزون ذلك، بحيث أصبح من سمات المنهج الأخباري. ولكن مع تسليمنا بكلامكم نقول: إنَّ ذلك لا ينفع في جواز تقليده مع العلم بمخالفة الحي له، كما هو الشايع  في محل الابتلاء، وذلك لأن الأصل في المتخالفين والمتعارضين التساقط، وحينئذ يتعيَّن في حق العامي الاحتياط، أما مع تعذّر الاحتياط، وفقد المرجّح، فالمتيقن التخيير بين الأحياء، إن قلنا به،وإلا فالرجوع إلى الأعلم من الأحياء. أما التخيير بين الحي والميت فلا دليل عليه بعد احتمال عدم جواز تقليد الميت،لأنَّ ما ذكرته أيها الأخ لا ينهض بجواز تقليد الميت في صورة الاختلاف.

الخلاف بين الأصوليين والأخباريين في مسألة رجحان العقل والإجماع وعدمهما، مسألة عويصة قد كتب فيها الكثير، ولا يمكن من خلال فهمك الذي لم يجس خلال الديار أن يحكم بقوة ذلك الرأي على ذلك الرأي، والخلاف ليس منحصراً في ذلك ليستنتج ما ذكرته أيها الأخ. وعلى كلِّ حال يمكن القول: إنَّ ما ذكرته من كون بعض العناوين عللاً تامة للحُسن والقُبح وللداعوية العقلية، وأنَّه لا بد من حكم الشارع على طبق الداعوية العقلية فيها كعنوان العدل والإحسان والظلم والعدوان. فهو مسلّم في الجملة، إلا أنه لا ينفع في المقام، لأنَّ تشخيص مصاديق العناوين المذكورة تابع للتشريع، لما هو المعلوم من أنَّ العدل-الذي هو محل الكلام- هو وضع الشيء في موضعه، والإحسان هو فعل ما هو حسن، وأنّ الظلم والعدوان هو هضم حق الغير والتجاوز عليه، ولا يكفي في الدخول تحت هذه العناوين أن يُشخّص العرف أنَّ هذا الفرد هو من العدل أو هذا الفرد من الظلم، بل إنّ الموضوع الحقيقي في ذلك هو الفرد الواقعي المتحصّل بتشخيص الشارع الأقدس، ولذا لا يكون قتل المؤمن بالكافر عدلاً، ولا إعانة المرتد إحساناً، ولا ذبح الحيوان أو قتل الحربي الكافر أو أكل المارة من ثمر الشجر في طريقهم المملوك للغير ظلماً وعدواناً.. إلى غير ذلك. وبعد فرض أخذ التشخيص من الشارع يكون الحكم  الشرعي معلوماً في رتبة سابقة على إحراز الحُسن أو القُبح  عقلاً، فلا ينفع العلم بالحُسن أو القُبح في الإستنباط. بل نترقّى ونقول إن مرجع ذلك إلى ملازمة حكم العقل لحكم الشرع باعتبار أنَّ الشارع الأقدس هو المالك المطلق والمنعم المُفْضِل الذي يجب متابعته والجري على مقتضى حكمه، ومن جميع ما سبق يتضح أنّ المستلزم للحكم الشرعي ليس هو حكم العقل  بحسن الشيء أو قبحه- كما هو المدعى- بل حكم العقل بحسن  الحكم نفسه، أما الحسن متعلقه أو قبحه من دون مزاحم ولا مانع من جعل الحكم لمصلحة في نفس الحكم من دون نظر للمتعلّق كمصلحة الإمتنان على العباد والتيسير أو الإمتحان أو التأديب والعقاب، كما لا يبعد  ذلك في تكليف إبراهيم(ع) ذبح ابنه، وفي تحريم بعض الأمور على اليهود كما في الآية 146 من سورة الأنعام: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)، ومن الظاهر أنّ الملازمة المذكورة لا تنفع في استنباط الحكم الشرعي، لعدم إحاطة العقل  بنفسه بالملزوم بجميع خصوصياته ليتسنّى تشخيص موارده.  وعلى كل حال كلّ من الأخباريين والأصوليين لهما منهج، والتحقيق أيهما هو الصحيح من غيره يرجع إلى الفقهاء، وليس للعوام حتى يُميّزوا أنَّ أدلة هذا المنهج أقوى من ذاك، ويكفينا أنّهم كلهم يستقون من تعاليم أهل البيت(ع) ومرجعيتهم في ذلك القرآن والعترة(ع) ونسأل الله تعالى العصمة.

والحمد لله رب العالين