...
أرشيف الموقع
مسائل وردود >> قرآنية >> هَلْ أَتَى.. – وعد الآخرة
المسألة:

1- ما المقصود بالآية التالية : بسم الله الرحمن الرحيم “هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (الإنسان:1)

2- ما المقصود بوعد أولاهما، وما المقصود بوعد الآخرة: بسم الله الرحمن الرحيم”وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً*فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً*إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً” (الاسراء)

الجواب:

1- يفسِّر العلماء هذه الآية على أساس استظهار أن (هل ) معناها:(قد). وبالتالي تكون الآية :قد أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ولم يكن معروفاً لأنه لم يوجد بعد ،فخلقه الله سبحانه لكي يعبده

2-بالنسبة للآيات المذكورة في السؤال هناك عدة تطبيقات مطروحة للوعد:

1) وهو للأكثرية من مفسري الشيعة والسنة، وخلاصته إن الإفسادين والعقوبة عليهما في هذا الوعد القرآني قد تحققتا في تاريخ بني إسرائيل قبل مجيء الإسلام. ومستند هذا القول روايات متضاربة فيما بينهما متعرضة تعارضاً شديداً، وإن كان هناك قاسماً مشتركاً بينهما وهو تحقق الإفسادين والعقوبتين عليهما قبل مجيء الإسلام، وكل هذه الروايات من تفسر واجتهادات الصحابة والتابعين وليس فيها إلا رواية واحدةً عن النبي(ص) وهي ضعيفة السند واهية المتن.

2)التطبيق الثاني: وهو للسيد قطب ،وقد التزم في تفسير هذه الآيات بالروايات السابقة القائلة بوقوع الإفسادين وتحقق العقوبتين عليهما، ثم عقَّبَ على قوله تعالى:”وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً” (الإسراء 8) فقال : ولقد عادوا إلى الإفساد فسلَّط الله المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلِّها ثم عادوا إلى الإفساد فسلَّط الله عليهم آخرين حتى كان العصر الحديث فسلَّط الله عليهم هتلر، ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة إسرائيل ،وليُسلِّطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب تصديقاً للوعد القاطع. ولكن رأيه غير مقبول :وذلك أن رأيه بتحقق الإفسادين والعقوبتين عليهما قد استند فيه إلى تلك الروايات غير المقبولة. وأما تفسيره لقوله” وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا” بعودة بني إسرائيل للإفساد مرة ثالثة ورابعة وخامسة.. إلخ، وإن الله عاقبهم بالمسلمين تارة وبهتلر تارة أخرى وسيعاقبهم كلما سعوا في الأرض فساداً، فهذا عجيب وغريب لا ينسجم مع مضمون الآيات التي صرَّحت بأن العقوبة الثانية هي آخر عقوبة ستحل ببني إسرائيل وهي المشار إليها في قوله تعالى:” ) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخرةِ ” (الإسراء7).

3)التطبيق الثالث: للشيخ إبراهيم الأنصاري في كتابه(ملاحم القرآن) وخلاصته:إن الإفساد الأول قد تحقَّق من بني إسرائيل في دولتهم المعاصرة ،مقترفاً بعلوهم على أعدائهم العرب، وقد عاقبهم الله تعالى عليه بالحروب التي حاولت الدول العربية من خلالها استرجاع فلسطين المغتصبة من اليهود. وأما إفسادهم فقد تجسَّد في ممارسات دولة إسرائيل المعاصرة التي ترتكب كلَّ يوم أبشع وأشنع الجرائم بحقِّ المسلمين وتنشر الفساد والظلم والجور في الأرض المقدسة ،وهي في قمة علوِّها واستكبارها على العرب أكثر من قبل مئات المرَّات، فلم يبق من هذا الوعد القرآني إلا حلول العقوبة الثانية ببني إسرائيل، وستكون أيضاً على يد العرب في حروبهم القادمة التي سوف يقضون بها على دولة إسرائيل قضاءً نهائياً ويكفي في ضعف هذا الرأي معارضته للآيات القرآنية الخاصة بعقوبة الإستبدال التي تحلّ بالحكومات العربية المتآمرة على فلسطين والخائنة للأمة والرسالة في آخر الزمان ،لأنها لم تعترف بالإسلام كتشريع إلهي متكامل يقود الحياة ، مما دعاها إلى استيراد أنظمة وضيعة كافرة وفرضيها على الأمة بالقوة، ناهيك عن موالاتها لليهود والنصارى،قال تعالى”إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ”(التوبة)

وهناك رأي رابع للشيخ التميمي في كتابه( زوال إسرائيل حتمية قرآنية)

ورأي خامس للشيخ علي الكوراني في كتابيه ( الممهدون للمهدي) (عصر الظهور).

أما الرأي السادس وهو الصحيح: وهنا مفاهيم:

1-إن تخصيص هذين الإفسادين بالحكم الإلهي المبرم “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ”(الإسراء4) وتسليط الأضواء على حتمية نزول العقوبة الإلهية القاضية بإزالة اليهود من الوجود بسبب هذين الإفسادين دون غيرهما من إفساداتهم الكثيرة الأخرى ،كلُّ ذلكَ يؤكد أن هذين الإفسادين هما أكبر وأخطر من كل ما لليهود من إفسادات في التاريخ ، وهو ما يدلّ على أنهما آخر إفساد لهم في الأرض مما يقتضي إزالتهم من الوجود بإنزال العقوبة الأخيرة الساحقة والمدمِّرة لهم.

2-إن اعتبار عقوبة الإفساد الثاني آخر عقوبة ستحل باليهود في التاريخ، بحيث تكون ساحقة لوجودهم الإجتماعي فلا تقوم لهم بعدها قائمة تؤهلهم للتمكين والإفساد في الأرض من جديد بالمستوى السابق، فإن في ذلك دلالة قطعية على أن كل ا العقوبتين لم تقعا بعد،ولو وقعتا لما كان لبني إسرائيل في عصرنا الحاضر هذا الوجود السياسي الخطير ، والإفساد والعلو العسكري الكبير على أعدائهم.

3–إن مخطط عملية الإفساد الإسرائيلي بمرحلتيه التاريخيتين المقترنتين بالعلو الكبير ، سوف يُمارس على جغرافية الأرض المقدسة ، وينطلق منها في معارك التنكيل بأعداء بني إسرائيل ،حيث دلَّت آيات أول الإسراء على ذلك”وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ “(الإسراء: 7). وبهذا الإستظهار القطعي تسقط آراء الشيخ التميمي والكوراني وغيرهما من الذين حاولوا تطبيق معارك الإفساد الأول مع بني إسرائيل على معارك المسلمين مع اليهود في الجزيرة العربية في عصر النبوة.

4-إن المتأمِّل في سياق آيات الإفسادين يقطع بحتمية وقوع معارك أربع بين بني إسرائيل وأعدائهم المبعوثين لمعاقبتهم على الإفسادين. فالمعركة الأولى أُشير إليها بقوله تعالى: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً” (الإسراء:5). والمعركة الثانية: ذُكِرت في قوله تعالى: “ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً” (الإسراء:6). والمعركة الثالثة أُشير إليها في قوله تعالى:”فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً” (الإسراء: من الآية7) . والمعركة الرابعة أُشير إليها في قوله تعالى:”وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً” (الإسراء: من الآية8) . وأيضاً يقطع المتأمل في هذا النص أن هذه المعارك غير منفصلة عن بعضها ،بل هي مترابطة متصلة ببعضها وأن نيرانها تشتعل بين الطرفين على شكل جولات عنيفة في فترة زمنية واحدة بصورة طولية لوضوح ظاهرة الكر والفر بين الطرفين في السياق القرآني لهذه المعارك، فالإسرائيليون ينكسرون وينهزمون في المعركة الأولى فيعدّون العدّة للجولة الثانية ويستنفرون طاقاتهم وقواهم السياسية والعسكرية، ويستنهضون أبناءهم وأنصارهم في كلِّ العالم للجولة الثانية من المعركة ،فيُلحِقون الهزيمة بأعدائهم المبعوثين لمعاقبتهم على الإفساد الأول وهو معنى قوله تعالى:”ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً” (الإسراء:6). ثم أعداء بني إسرائيل لا يرجعون مرة ثانية بعد هزيمتهم إلا وهم أشد قوة وبطشاً وغضباً وانتقاماً من بني إسرائيل في المعركة الثالثة ،كما يُفهم من قوله تعالى: “لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً” (الإسراء: 7).وكل هذه الحقائق الظاهرة في كلمات هذا الوعد القرآني ،تدل على وحدة القوم المبعوثين لمعاقبة الإسرائيليين في هذه المعارك وإليهم تعود الضمائر التالية في كلا المعركتين:”عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ ،ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، لِيَسُوءُوا ،وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً” كما أن اعتبار المسجد كهدف استراتيجي لهؤلاء المقاتلين لبني إسرائيل في كلا المعركتين “وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ” يدل على وحدة المبعوثين لقتال بني إسرائيل ،بل يكشف عن قصر الفترة الزمنية في هذه المعارك الأربع ،إلى الدرجة يمكن القول بكل اطمئنان بأنها تدار من قبل قيادة واحدة وجيش واحد في جيل واحد في كلا المعسكرين. ومما يؤكِّد ذلك وجود شعيب بن صالح في جميع هذه المعارك ،التي نصَّت عليها آيات الإفساد الإسرائيلي بما فيها المعركة الرابعة المشار إليها في قوله تعالى”وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا.. إلخ” وهناك روايات تؤكد عودة اليهود مع الدجَّال ،وقتال شعيب بن صالح لهم.-5يصوِّر القرآن الكريم المجتمع اليهودي عنصر فساد وهلاك ودمار للحرث والنسل في تاريخ البشرية ،ويُعتبر معاقبته على إفساده الثاني هي من أجل القضاء على عنصر الفساد واجتثاثه من الأرض نهائياً. ولا يوجد أي دليل في القرآن أو السنة أو في التاريخ يُثبتُ خلوَّ الأرض من اليهود وخلاص البشرية من مفاسدهم ومكائدهم وشرورهم ،إلا النصوص الغيبية القرآنية والنبوية التي بشَّرت بظهور المصلح العالمي الإمام المنتظر(عج) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئت ظلماً وفساداً وجوراً قبل ظهوره ،وهذا ما يجعلُنا نقطع قطعاً يقينياً بأن معارك معاقبة اليهود على إفسادهم الثاني،وتطهير الأرض من وجودهم لا بدّ أن يكون بقيادة الإمام المهدي المنتظر(ع)

وإذا أردتَ المزيد من هذه المعلومات فعليك بالكتب التالية:

1-رايات الهدى والضلال (مهدي الفتلاي)

2- ثورة الموطئين للمهدي (مهدي الفتلاوي)

3- سقوط إسرائيل من العلو والإفساد إلى الزوال (مهدي الفتلاوي). مبادئ الثقافة المهدوية (مهدي الفتلاوي).

والحمد لله رب العالمين